الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

260

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجملة لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ استئناف بياني ناشئ عن قوله : إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ إلخ وهو اعتراض بين جملي إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ وبين جملة فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ [ الواقعة : 8 ] إلخ . والجواب قوله : فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ [ الواقعة : 8 ، 9 ] ، فيفد جوابا للشرط ويفيد تفصيل جملة وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً [ الواقعة : 7 ] ، وتكون الفاء مستعملة في معنيين : ربط الجواب ، والتفريع ، وتكون جملة لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ وما بعده اعتراضا . والواقعة أصلها : الحادثة التي وقعت ، أي حصلت ، يقال : وقع أمر ، أي حصل كما يقال : صدق الخبر مطابقته للواقع ، أي كون المعنى المفهوم منه موافقا لمسمى ذلك المعنى في الوجود الحاصل أو المتوقع على حسب ذلك المعنى ، ومن ذلك حادثة الحرب يقال : واقعة ذي قار ، وواقعة القادسية . فراعوا في تأنيثها معنى الحادث أو الكائنة أو الساعة ، وهو تأنيث كثير في اللغة جار على ألسنة العرب لا يكونون راعوا فيه إلا معنى الحادثة أو الساعة أو نحو ذلك ، وقريب منه قولهم : دارت عليه الدائرة ، قال تعالى : يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ [ المائدة : 52 ] وقال : عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ * [ التوبة : 98 ] . والمراد بالواقعة هنا القيامة فجعل هذا الوصف علما لها بالغلبة في اصطلاح القرآن قال تعالى : فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ [ الحاقة : 15 ] كما سميت الصاخّة والطامّة والآزفة ، أي الساعة الواقعة . وبهذا الاعتبار صار في قوله : إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ محسن التجنيس . و الْواقِعَةُ : الموصوفة بالوقوع ، وهو الحدوث . و كاذِبَةٌ يجوز أن يكون اسم فاعل من كذب المجرد ، جرى على التأنيث للدلالة على أنه وصف لمحذوف مؤنث اللفظ . وتقديره هنا نفس ، أي تنتفي كل نفس كاذبة ، فيجوز أن يكون من كذب اللازم إذا قال خلاف ما في نفس الأمر وذلك أن منكري القيامة يقولون : لا تقع القيامة فيكذبون في ذلك فإذا وقعت آمنت النفوس كلها بوقوعها فلم تبق نفس تكذب ، أي في شأنها أو في الإخبار عنها . وذلك التقدير كله مما يدل عليه المقام . ويجوز أن يكون من كذب المتعدي مثل الذي في قولهم كذبت فلانا نفسه ، أي حدثته نفسه ، أي رأيه بحديث كذب وذلك أن اعتقاد المنكر للبعث اعتقاد سوّله له عقله القاصر فكأنّ نفسه حدثته حديثا كذبته به ، ويقولون : كذبت فلانا نفسه في الخطب العظيم ،